Dubai Government

مجلس دبي الاقتصادي يعد ورقة عمل عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص وأهميتها لاقتصاد دبي

اكتوبر 2, 2016

أعد مجلس دبي الاقتصادي مؤخراً ورقة عمل عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) من حيث مفهومها، ومزاياها الاقتصادية، وأهم الممارسات العالمية، مع اشارة خاصة الى أهميتها لاقتصاد دبي، وآفاق المستقبل. 

فلسفة الشراكة
وتشير الورقة الى أن مفهوم الشراكة يعد آخر ارهاصات الفكر الاقتصادي العالمي في مجال السياسة العامة، وتحديداً في مجال صناعة الخدمات العامة والتي تسهر حكومات جميع دول العالم على اختلاف هوياتها تقديمها لافراد المجتمع سعياً منها لاشباع حاجاتهم منها والعمل على رفع معدلات الرفاه الاقتصادي والاجتماعي. وقد نشأ نهج الشراكة بين القطاعين على أثر "ثنائية الفشل" الذي انطوت عليه النظم الاقتصادية المتعاقبة في العالم الرأسمالي خلال القرنين الماضيين: "فشل الحكومة" (Government failure) في القيام بوظائفها المعهودة من تنظيم ورقابة وتحفيز، وفشل مقابل هو "فشل السوق" (Market failure) والذي تجسد بفشل القطاع الخاص في اشباع حاجات الافراد وتوفير سوق متوازنة ومستدامة ومستقرة. وما ادل على هذين الفشلين هي سلسلة الازمات الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد العالمي والتي اثرت بغير حدود على برامج الدول وبالتالي على رفاهية الافراد وجودة الحياة. وعلى نحو محدد، لم تفتأ العديد من دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء تعاني من اختناقات بيئية مثل تقادم الطرق والجسور وتراجع كفاءة وجودة الخدمات العامة، والتلوث، وغيرها. 

من هنا، برز الاهتمام باسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص بوصفه أداة فاعلة لاصلاح الخلل الذي أصيبت به مختلف النظم الاقتصادية في العالم والتي ترد أما الى أهمال القطاع الخاص وعدم تسخير امكانياته كما ينبغي، أو انها اهتمت به على حساب الدور الحيوي للدولة في تنظيم الاقتصاد وضمان استقراره. 

الاطار المفاهيمي للشراكة
الشراكة هي –أساساً- علاقة تعاقدية مركبة بين القطاع العام أو الحكومة (سواء أكانت فيدرالية أو مركزية أو محلية، اضافة الى المؤسسات المملوكة للدولة) والقطاع الخاص (ويشمل اي شركة او مجموعة/ تآلف شركات تعمل في مختلف المجالات كالمقاولات والاستشارات والتمويل وغيرها)، حيث يتولى الشريك الخاص مختلف مراحل المشروع، بدءً بالتصميم، مروراً بالتشييد والتشغيل والادارة والصيانة، وحتى انتهاء المشروع. 

وتختلف عقود الشراكة عن عقود التعهيد التقليدية (Traditional procurement) بكون –الأولى- تنطوي على بنود مفصلة ومتعددة توضح طبيعة العلاقة بين القطاعين العام والخاص بما في ذلك توزيع المسؤوليات مقابل العوائد، اضافة الى جوانب التمويل والادارة والاطر الزمنية للانجاز، وتقييم الأداء. كذلك عادة ما تأخذ مشاريع الشراكة فترات أطول قد تمتد الى 35 عاماً وخاصة بالنسبة لعقود الامتياز. 

كما تتميز عقود الشراكة باعتمادها على مفهوم "نقل المخاطر" (Risk transfer) من القطاع العام الى الخاص، باستثناء بعض أنواع المخاطر التي أما ان يتقاسمها الطرفان أو أن يتحملها الشريك العام لوحده. كذلك تنطوي مشاريع الشراكة على أطر تنظيمية ومؤسسية خاصة. علاوة على ذلك، تتيح عقود الشراكة خيارات متعددة لتمويل المشاريع بحيث لا تقتصر على الدفعات التي يقدمها الشريك العام الى لمقاول (الخاص) اعتماداً على المال العام، بل السماح له –كما هو الحال في بعض عقود الشراكة في مشاريع النقل- فرض رسوم على مستخدمي الخدمة المقدمة ضمن إطار زمني ينص عليه في العقد. وتبعاً لذلك، فلقد طال النظر الى الشراكة بوصفها وسيلة فعّالة لتمويل المشاريع العامة لاسيما طويلة الأمد دونما حاجة للضغط على الموازنة العامة.  

أما بالنسبة للقطاع الخاص فتكمن حافزيته في الدخول بشراكة مع القطاع العام هو الولوج في مشاريع طويلة الأجل تضمن له قدراً عالياً من العوائد مقارنة بعقود التعهيد التقليدية، اضافة الى السماح له بفرض رسوم على الخدمات التي يقدمها لافراد المجتمع دون اعتماده على الحكومة والتي قد تتعرض موازنتها الى تخفيضات لاسيما اثناء فترات الازمات والركود الاقتصادي. 

نماذج متنوعة للشراكة 
تأخذ عقود الشراكة نماذج وأنماط مختلفة، تبدأ بابسط صورها وهي "التصميم-البناء"، مروراً بطريقة "التشغيل-التمويل"، و"التصميم-التشغيل-التمويل-الصيانة"، و"الامتيازات"، وانتهاءً بـ"الخصخصة". ويعكس هذا الطيف درجة مسؤولية الشريك الخاص في تنفيذ مراحل المشروع المختلفة بما تنطوي عليه من تحمل المخاطر وخاصة السوقية (الطلب)، اضافة الى طول فترة انجاز المشروع.   

وتشكل البنية التحتية المجال الحيوي لمشاريع الشراكة، وتندرج تحتها عشرات المجالات، كالمادية -مثل الطرق والجسور والانفاق ومحطات الطاقة وتحلية المياه وغيرها، والاجتماعية -مثل المدارس والمراكز الصحية ورعاية الاطفال وغيرها، اضافة الى الابنية الحكومية -مثل المحاكم والسجون وسائر الدوائر الحكومية. 

الخريطة العالمية للشراكة
تشير الورقة رغم أن العالم المتقدم قد سبق غيره بالولوج في طريق الشراكة بين القطاعين ووضعه في سلم أولوياته، وكما هو الحال في استراليا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة واليابان، يلاحظ ان هذا المفهوم أخذ ينتشر خلال السنوات الأخيرة على مساحة واسعة من العالم ليشمل الدول الناشئة أيضاً وخاصة مجموعة البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا)، اضافة الى عشرات الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.  

وتشير التقارير الدولية الى ان حجم وعدد مشاريع الشراكة قد شهد نمواً متصاعداً خلال العقدين الماضيين، ومما ساهم في إذكاء هذا التوجه هو التغيرات الحاصلة في الانظمة الاقتصادية وفي الفكر الاقتصادي لدى الكثير من دول العالم نحو تعظيم مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع الكبيرة وتوظيف طاقاته وامكاناته وروح المغامرة لديه. 

وتستأثر القارة الأوروبية وبعض دول آسيا بالحصة الاكبر من مشاريع الشراكة التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، تأتي بعدها دول امريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية. وطبقاً لتقارير البنك الدولي فان ثمة 134 دولة نامية تساهم بحوالي 15-20% من اجمالي الاستثمارات العالمية في البنية التحتية وأصبحت اسواقاً للشراكة. كذلك تشير الارقام ان القطاع الخاص قام بتمويل قرابة 20% من البنية التحتية بما يقارب 850 مليار دولار في الدول الناشئة والنامية. أما بخصوص التوزيع القطاعي لمشاريع الشراكة، يشكل قطاع النقل الحصة الأكبر (51%( بقيمة 55 مليار دولار وبمعدل نمو بلغ 40% خلال السنوات الستة الماضية، ، يليه الطاقة، ومن ثم الخدمات البلدية (كالمياه وتصريفها).  

أهمية الشراكة
تشير الورقة الى أن ثمة مزايا وفوائد عدة لمشاريع الشراكة قد شجعت العديد من حكومات دول العالم على تبنيها والتخلي تدريجياً عن عقود التعهيد التقليدية، تأتي في مقدمتها ما يمكن أن تسهم به -الشراكة- في تنفيذ مشاريع مبتكرة ومتميزة بوصفها ترتكز على خبرة وامكانات القطاع الخاص سواء أكانت تقنية أو مالية أو ادارية والتي قد يفتقرها القطاع العام. وتهدف الشراكة -في المقام الأول- الى تحسين جودة الخدمات العامة بطرائق أكثر رشادة وكفاءة من التعهيد التقليدي، وتلبية الحاجات المتزايدة على هذه الخدمات نتيجة للنمو السكاني الكبير وخاصة في المدن الكبيرة، اضافة الى العمل على ترميم البنية التحتية القائمة وتطويرها وتحسينها بصورة مستمرة. 

وفي هذا السياق، لايمكن اغفال الابعاد الاقتصادية الكلية لتطوير وتوسيع البنية التحتية، حيث ثمة علاقة "موجبة" بين الانفاق على البنية التحتية ومعدلات النمو الاقتصادي، ذلك لان الانفاق المذكور من شأنه ان يخلق فرص عمل مما سيقلل معدلات البطالة، كما ان توليد الدخول ستشكل طلباً فعالاً مما يؤدي بالتبعية الى تنشيط الحركة الاقتصادية. ويرتبط بذلك أيضاً توفير المال العام واعادة توجيهه الى المجالات الأخرى وخاصة في بعض أنماط الشراكة والتي –كما أشرنا آنفاً- تستدعي قيام الشريك الخاص بتوفير التمويل اللازم للمشروع مقابل السماح له بالحصول على مصادر مختلفة للايرادات. 

وتكتسب الشراكة أهمية خاصة بالنسبة لعملية التنمية الاقتصادية لعشرات الدول النامية وذلك نظراً لدورها في تسريع وتائر التنمية ومواكبة العولمة والمتغيرات المحلية والدولية من خلال تطوير وتقوية البنية التحتية والخدمات العامة المقدمة لافراد المجتمع، وتهيئة البيئة المادية لاقامة المراكز الحضرية ومؤسسات الاعمال والمصانع. حيث ثبت أنه لايمكن بناء اقتصاد حديث ومرن من دون توافر بنية تحتية متينة. كذلك للشراكة آثاراً إيجابية في جذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة وبالتالي دورها في نقل التكنولوجيا الحديثة، والاداراة الحديثة، وزيادة الانتاجية، وتقليل معدلات الفقر، وتوسيع الملكية الخاصة، والتوجه نحو اقتصاديات السوق، وتقوية أسواق المال المحلية، اضافة الى تعزيز مبدأ الشفافية والحوكمة في الدوائر العامة والشركات الخاصة، وجميع هذه العوامل تعد متغيرات حاسمة في عملية التنمية. 

الشروط المسبقة للشراكة الناجحة
تفيد التجارب العالمية أن للشراكة الناجحة شروطاً مسبقة لابد من ارضاءها، تأتي في مقدمتها حتمية وجود توافق بين الطرفين –العام والخاص- على مختلف المهام والمخاطر والعوائد التي ينطوي عليها المشروع. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون تبني نهج (Win-win) في إطار عقد يتسم بالشفافية والوضوح متضمناً كافة الشروط التي يستهدفها الشريك العام وخاصة ما يتعلق بجودة الخدمة، والاطار الزمني، وغيرها. بيد انه لابد ان تستبق عملية تنفيذ المشروع القيام بعملية طرح المشروع على الشركات الخاصة في جو تنافسي شفاف ومفعم بالحوكمة، ذلك لان اختيار الشريك الخاص الكفأ يعد الفيصل لتحقيق اهداف الشراكة لأنه هو من سيتولى تنفيذ المشروع بمختلف مفاصله. 

جدلية مفهوم الشراكة
تشير الورقة الى أنه رغم المزايا العديدة لمفهوم الشراكة واتساع نطاق استخدامه على مستوى العالم، فأنه لايزال مثار جدل بين الاقتصاديين والسياسيين نظراً لكونه يمس أساساً مفهوم دور الدولة في الاقتصاد وواجباتها التقليدية، والسهم الذي تعطيه للقطاع الخاص في أكثر المجالات الاقتصادية حيوية وهي الخدمات العامة والبنية التحتية. ولعل القاسم المشترك في الجدل الدائر هو حول مفهوم "نقل المخاطر" الى القطاع الخاص ومدى قدرة هذا الأخير على تنفيذ مشاريع ضخمة وطويلة الأمد بحسب الاتفاق المبرم مع الحكومة من دون تأخير او اختناقات مالية، اضافة التكلفة العالية التي تنطوي عليها بعض مشاريع الشراكة. 

قصص نجاح.. وفشل
يخبرنا الأدب العالمي في مجال الشراكة أن ثمة تجارب قد شهدت نجاحاً ملفتاً وباتت تجارب ملهمة سواء للجهات المعنية في نفس الدولة أو لدول أخرى. ومن قبيل المثال، يشير مسح أجري في بريطانيا قبل اعوام وشمل 61 مشروعاً أدير بطريقة "مبادرة التمويل الخاص" (PFI)، ان حوالي 89% من المشاريع قد سلمت في الوقت المحدد لها أو مبكراً، وان معظمها نفذت ضمن الميزانيات المخصصة لها، كما أن 75% من مدراء القطاع العام كانوا مقتنعين بالنتائج التي تمخضت عنها تلك المشاريع. 

وفي استراليا، أفاد مسحاً شمل 21 مشروع شراكة وأيضاً 33 مشروع بطريقة التعهيد التقليدية، وقد تبين انه فقط 1.1% من التكاليف الاضافية قد تمخضت عن مشاريع الشراكة، مقابل 15% في المشاريع التي نفذت بالطريقة التقليدية. كذلك ثمة دراسة أجراها البنك الدولي في عام 2008 حول تأثير مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ عدد من مشاريع توزيع المياه والكهرباء تعمل منذ أكثر من عشرة اعوام في عينة شملت 301 مرفق عام في 71 دولة نامية، وأظهرت الدراسة ان القطاع الخاص قد حقق زيادة في انتاجية العامل وكفاءة في الاداء. كما لوحظ زيادة شبكة توزيع المياه لعدد أكبر من السكان بمقدار 54%، و 32% بالنسبة للطاقة الكهربائية. 

لكن بالمقابل، شهدت بعض تجارب الشراكة فشلاً في تحقيق أهدافها. فمثلاً في دراسة أجريت في بريطانيا شملت عدد من مشاريع الشراكة، وقد تبين أن 73% من هذه المشاريع قد تجاوزت اسعارها ما محدد في العقد. كما أن 70% من هذه المشاريع سلمت بوقت متأخر. وفي مسحاً آخراً في كندا، لوحظ أن معظم مشاريع الشراكة التي نفذت خلال فترة معينة كانت ذات تكلفة عالية وتنطوي على مخاطر عدة. كما ان مشاريع الشراكة التي تم الموافقة عليها في مدينة تورونتو قد شهدت تكاليف أعلى بمقدار 500 مليون دولار مقارنة بمشاريع نفذت بالطريقة التقليدية. وفي تجربة أخرى وهي القنال الذي يربط فرنسا ببريطانيا والذي كلف حوالي 15 مليار جنيه استرليني، فقد شهد المشروع تأخيراً في تسليمه، اضافة الى ارتفاع في تكاليفه التشغيلية فضلاً عن مشاكل تمويلية أخرى. 

ولعل أهم الدروس المستوحات من هذه التجارب العالمية أنه ليس بالضرورة أن تكون جميع مشاريع الشراكة ناجحة بالضرورة وتحقق أهداف جميع الاطراف المساهمة فيها من دون تلبية شروط نجاحها -وكما أسلفنا بيانه- من قبيل توفير الاطار التنظيمي والقانوني، واختيار الشريك الخاص الكفأ، وتوافر الخبراء والمتخصصينن، وضمان وجود مصادر تمويل مستدامة، وقياس كفاءة الخدمة المقدمة، وغيرها. 

مشاريع الشراكة في دول مجلس التعاون الخليجي
تشير التقارير الى اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بمفهوم الشراكة بين القطاعين واعتماد بعضها على هذا المفهوم لتنفيذ العديد من مشاريعها التنموية الضخمة. 

وتبرز دولة الامارات في مقدمة دول المنطقة اهتماماً بموضوع الشراكة، حيث يلاحظ بروز اهتماما واضحا في هذا المجال لدى العديد من الجهات الحكومية، بدءاً بالعاصمة أبوظبي التي شرعت بخصخصة بعض القطاعات والمشاريع التجارية للاستفادة من الزخم والإمكانات المتوافرة لدى القطاع الخاص، وتأسيس الشركة القابضة العامة كخطوة أولى باتجاه تخصيص الصناعات الحكومية وتنويع القاعدة الصناعية، وإنشاء المناطق الاقتصادية المتخصصة، واعتماد استراتيجية لتنمية السياحة. كما امتد الاهتمام بالشراكة ليشمل إمارة الشارقة، ورأس الخيمة. 

وفي البحرين هناك اهتمام لتأسيس شراكة بين المؤسسات المالية المصرفية وشركات الإنشاء والتعمير لإنشاء آلاف المنازل الجديدة إلى جانب إقامة العديد من المرافق مثل المدارس والمساجد والحدائق والملاعب ومجمع للتسوق وذلك لتلبية حاجات الإسكان إلى المواطنين ذوي الدخل المتوسط والمتدني وبمواصفات راقية من أجل تلبية الطلب المتزايد عليها من قبل المواطنين. 

وفي السعودية، ثمة توجه لتنظيم عملية الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أعلى المستويات من خلال إشراك قيادات الأعمال في صنع القرار المتصل في مختلف القطاعات الاقتصادية. كما يجري العمل على وضع جدول زمني لتخصيص عدد كبير من القطاعات بعد عقود من سيطرة القطاع العام على المؤسسة الاقتصادية في المملكة. 

مشاريع الشراكة في دبي
من المعروف ان اقتصاد دبي لايعتمد على النفط بل يقام على أساس التنويع الاقتصادي من خلال تطوير وتنمية العديد من القطاعات لاسيما الخدمية منها، كالنقل واللوجستية والسياحة والتجارة والمشاريع المالية، والتي تستأثر بمجموعها حوالي 90% من الناتج المحلي الاجمالي للامارة. ونظراً لنمو دبي حضرياً وسكانياً، ومع تنامي موقعها كنقطة تقاطع لشبكات الاعمال، فقد أولت الحكومة اهتماماً ملحوظاً في تطوير البنية التحتية بمختلف أصنافها ومجالاتها، كما قامت بتوظيف آخر المبتكرات التقنية والمعلوماتية، فتمثل جانباً مهماً من نهضة دبي في البنية التحتية العصرية التي لا تضاهى سواء في مجال الطرق والجسور والمترو والانفاق والابراج العالية والمرافق العامة وغيرها. وقد ساهمت المشاريع التي قامت بها العديد من الدوائر المحلية ذات العلاقة في تقديم صورة مشرقة للامارة كمدينة عصرية واقتصاد مستدام بات نموذجاً للعديد من اقتصاد العالم، مما ساهم ذلك كله في ترسيخ مكانة الامارة على خريطة العالم. 

لقد أخذت دبي توجهاً واضحاً في مجال الشراكة لاسيما في إطار خطتها الاستراتيجية 2021 وفيض المبادرات التي أطلقتها الحكومة خلال الأعوام القليلة الماضية، مثل "الابتكار"، و"الاقتصاد الاسلامي"، و"المدينة الذكية"، و"الحكومة الذكية"، و"مسرعات دبي للمستقبل" وغيرها، حيث تنطوي كل منها على دور كبير للقطاع الخاص بالمشاركة  وتوظيف خبراته وطاقاته وامكاناته لدعم عملية التنمية. وتعد كل من هيئة الطرق والمواصلات، وبلدية دبي في مقدمة الجهات الحكومية التي تبنت نهج الشراكة وشرعت بتنفيذ العديد من المشاريع الناجحة. 

اطار قانوني
يعد القانون رقم (22) لسنة 2015 بشأن تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إمارة دبي الذي أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، رعاه الله، بصفته حاكماً لإمارة دبي في أغسطس 2015 الخطوة الاولى السليمة نحو اقتصاد متقدم يقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية والفاعلة بين القطاعين، ويهدف القانون إلى تشجيع القطاع الخاص على المشاركة في المشاريع التنموية، وزيادة الاستثمار في مجالاتها المختلفة بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الإمارة، وكذلك إلى تمكين الحكومة من تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية بكفاءة وفعالية، والاستفادة من الطاقات والخبرات المتوفرة لدى القطاع الخاص، بما يمكّن أفراد المجتمع من الحصول على أفضل الخدمات وبأقل التكاليف. كما يهدف إلى زيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات العامة، ونقل المعرفة والخبرة من القطاع الخاص إلى القطاع العام، وتدريب وتأهيل موظفي الجهات الحكومية على إدارة وتشغيل المشاريع. بالإضافة إلى تخفيف الأعباء التمويلية عن الموازنة العامة للحكومة، والتحول في إدارة بعض مشاريع البنية الأساسية والخدمات العامة من التنفيذ والتشغيل والإدارة المباشرة إلى أشكال أُخرى من الأداء الحكومي ترتبط بإقرار السياسات ومراقبة جودة تقديم الخدمات العامة وفقاً لمتطلبات الحوكمة، ويهدف القانون كذلك إلى توفير قدرة تنافسية أعلى للمشاريع في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية، وتعزيز مبادئ الحوكمة. وحدد القانون شروط الشراكة بين القطاعين العام والخاص بموجب عقد الشراكة، كما حدد السلطة المختصة باعتماد المشاريع وهي دائرة المالية في دبي. 

آفاق المستقبل 
تؤكد الورقة ان مفهوم الشراكة بين القطاعين يعد أساسياً لاستدامة اقتصاد الامارات ودبي في إطار خططها الاستراتيجية الطموحة، وفي ظل بيئة اقتصادية عالمية شديدة التغير. 

ان مستقبل مشاريع الشراكة في دبي واعدة لأسباب عدة، تأتي في مقدمتها وجود رؤية ثاقبة لدى الحكومة على ابرام شراكات حقيقية مع القطاع الخاص سواء اكان محلي أم اجنبي. كما تتمتع الامارة بوجود بنية تحتية عصرية، اضافة الى انتشار مؤسسات تمويلية وطنية واجنبية. كما تحتضن الامارة مقرات لكبرى الشركات العالمية العاملة في مختلف المجالات، وهذا يعد عاملاً حيوياً نظراً لما تتطلبه مشاريع الشراكة عادة -لاسيما الضخمة وطويلة الامد- خبرات عالمية قد لا تتوافر محلياً. 

هذا واقترحت الورقة أن تصاحب برامج الشراكة المزمع تنفيذها في دولة الامارات وسائر دول المجلس القيام بحملات توعوية واسعة النطاق وورش عمل تسهم بها كل الفعاليات في المجتمع من وسائل الإعلام وغرف التجارة والمنتديات والجمعيات والمؤسسات الأكاديمية ومراكز التدريب اضافة الى الشركات الاستثمارية الاجنبية من أجل تأصيل مفهوم الشراكة في صفوف المجتمع وقطاعاته، وإبراز المكاسب التي يمكن أن تتحقق من هذه الشراكة. 

ثم تأتي المرحلة الثانية وهي العمل على تقوية الشركات الخاصة لاسيما الوطنية منها من خلال إرساء تقاليد جديدة في مجتمع الأعمال تقوم على الحوكمة والشفافية والمحاسبية وتكافؤ الفرص من أجل تقوية قدرتها التنافسية وتعزيز ثقة المجتمع بها. كذلك ثمة حاجة لتحويل الشركات العائلية (الكبيرة) إلى شركات مساهمة عامة بما من شأنه توسيع قاعدة الملكية من جهة وتعميق حركة أسواق المال المحلية من جهة أخرى. 

كما تقترح الورقة إعداد مشروع قانون خاص بالشراكة على المستوى الاتحادي أسوة بالكثير من الدول الفيدرالية التي تعد اليوم أسواقاً ناضجة للشراكة، مثل استراليا وكندا وبريطانيا، اضافة الى الهند والبرازيل. ويوفر مثل هذا القانون اطاراً شاملاً يتضمن أهم المبادىء والمفاهيم اضافة الى البنود القانونية والتنظيمية التي ينبغي تضمينها في القوانين المحلية المنظمة للشراكة بين القطاعين على مستوى الاقاليم والوحدات الادارية في الدولة، لكنه يمنح –في ذات الوقت- بعض المرونة لتلك الجهات في ممارسة وتطبيق اطر وتعليمات وفق معطيات الوضع الاقتصادي السائد فيها وبما تقتضيه المصلحة العامة. 

العودة إلى القائمة